عبد الله بن أحمد النسفي
208
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 107 ] وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ الْحُسْنى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ( 107 ) ابن الربيع والضابط مكنة « 1 » ، تخلّفوا عن غزوة تبوك وهم الذين ذكروا في قوله : وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا وَاللَّهُ عَلِيمٌ برجائهم حَكِيمٌ في إرجائهم ، وإمّا للشك ، وهو راجع إلى العباد ، أي خافوا عليهم العذاب وأرجو لهم الرحمة ، وروي أنه عليه السّلام أمر أصحابه أن لا يسلّموا عليهم ولا يكلّموهم ، ولم يفعلوا كما فعل ذلك الفريق من شدّ أنفسهم على السواري وإظهار الجزع والغمّ ، فلما علموا أن أحدا لا ينظر إليهم فوضوا أمرهم إلى اللّه وأخلصوا نياتهم ونصحت توبتهم فرحمهم اللّه . 107 - وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً تقديره ومنهم الذين اتخذوا ، الذين بغير واو مدني وشامي ، وهو مبتدأ خبره محذوف ، أي جازيناهم ، روي أنّ بني عمرو بن عوف « 2 » لما بنوا مسجد قباء بعثوا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يأتيهم ، فأتاهم ، فصلى فيه ، فحسدتهم إخوانهم بنو غنم بن عوف « 3 » ، وقالوا : نبني مسجدا ونرسل إلى رسول اللّه يصلي فيه ويصلي فيه أبو عامر الراهب « 4 » إذا قدم من الشام ، وهو الذي قال لرسول اللّه عليه السّلام يوم أحد : لا أجد قوما يقاتلونك إلّا قاتلتك معهم ، فلم يزل يقاتله إلى يوم حنين ، فبنوا مسجدا إلى جنب مسجد قباء ، وقالوا للنبي صلى اللّه عليه وسلم : بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة ، ونحن نحبّ أن تصلي لنا فيه ، فقال : ( إني على جناح سفر وإذا قدمنا من تبوك إن شاء اللّه صلّينا فيه ) فلما قفل من غزوة تبوك سألوه إتيان المسجد ، فنزلت عليه فقال لوحشي قاتل حمزة ومعن بن عدي وغيرهما : ( انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وأحرقوه ) ففعلوا « 5 » ، وأمر أن يتّخذ مكانه كناسة تلقى فيها الجيف والقمامة ، ومات أبو عامر بالشام ضِراراً مفعول له وكذا ما بعد ، أي مضارّة
--> ( 1 ) مرارة بن الربيع العامري : صحابي من أهل بدر وهو ثالث الثلاثة الذين تيب عليهم تخلفهم عن غزوة تبوك ، وليس في ( ز ) والضابط مكنة أي قادرون وستأتي قصة الثلاثة في الآية 118 من هذه السورة . ( 2 ) عمرو بن عوف ، جد جاهلي من الأزد ومن سلالته بطون ( الأعلام 5 / 82 ) . ( 3 ) غنم بن عوف ، جد جاهلي من الأزد ومن سلافته بطون ( الأعلام 5 / 122 ) . ( 4 ) أبو عامر الراهب ، هو عمرو بن صيفي بن مالك بن أمية ، من الأوس ، جاهلي من أهل المدينة ، كان يذكر البعث ودين الحنيفية ولما ظهر الإسلام حسد النبي عليه السّلام قاتل مع المشركين في أحد ومات عام 9 ه ( الأعلام 5 / 79 ) . ( 5 ) أخرجه ابن مردويه من طريق ابن إسحاق ، وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق العوفي عن ابن عباس ، والواحدي عن سعد بن أبي وقاص .